محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

49

الروض المعطار في خبر الأقطار

ثمرتها وهزمه بعد أن قتل أكثر رجاله والجملة التي بها كان يصول من أبطاله ، وفرّ اللعين وسيوف المجاهدين تأخذ منه ، وعزيمتهم لا تقلع عنه ، إلى أن أوى إلى حصن خرب في رأس جبل شاهق مع الفلّ الذي بقي معه بعد الامساء وأحدق المسلمون تلك الليلة بذلك الحصن يرقبونه ؛ ولما أيقن أنه سيصطلم إن أقام هناك تسلل في ظلمة الليل من ذلك الموضع واتخذ الليل جملا ، وإذا رأى غير شيء ظنّه رجلا ، وانصرف المسلمون مغتبطين بغنيمتهم وأجرهم ، وكان ذلك سببا لبقائها بأيدي المسلمين إلى أن ينقضي أجل الكتاب ؛ ففي صفة الحال يقول شاعر الشرق في وقعة يحيى بن علي هذه أبو جعفر ابن وضاح المرسي من قصيدة يمدحه بها : شمرت برديك لما أسبل الواني * وشبَّ منك الأعادي نار غيّانِ دلفت في غابة الخطي نحوهم * كالعين يهفو عليها وطف أجفانِ عقرتهم بسيوف الهند مصلتة * كأنَّما شرقوا منها بغدرانِ هَوّن عليك سوى قوم قتلتهم * من يكسر النبع لم يعجز عن البانِ أودى الصميم وعاقت عن بقيتهم * مقادر أغمدت أسياف شجعان وقفت والجيش عقد منك منتثر * إلا فرائد أشياخ وشبانِ والخيل تنحِط من وقع الرماح بها * كأنّ تصهالها ترجيع ألحانِ في أبيات غير هذه أفسيس أو أفسميس أو أفسبين « 1 » : مدينة في رستاق من عمل من الأعمال التي دون خليج القسطنطينية من جهة بلاد الأرمن ، وكانت مدينة أفسيس هذه على البحر الرومي فبعد البحر عنها وخربت وأحدثت مدينة على نحو ميل منها ، فبعض الناس يقول . أصحاب الكهف غير أصحاب الرقيم وكلا موضعيهما بأرض الروم . وذكر محمد بن موسى المنجم « 2 » حين أنفذه الواثق إلى بلاد الروم أنه أشرف على أصحاب الرقيم بخرمة « 3 » من بلاد الروم ؛ ويقال إن أفسيس هذه هي مدينة أصحاب الكهف ، قالوا : وهم في كهف في رستاق بين عمورية ونيقية ، وهذا الكهف في جبل علوه « 4 » أقلّ من ألف ذراع وله سرب من وجه الأرض ينفذ إلى الموضع الذي فيه أصحاب الكهف ، وفي أعلى الجبل شبيه بالبئر ينزل فيها إلى باب السرب ويمشى فيه مقدار ثلاثمائة خطوة ثم يفضى منه إلى ضوء ، وهناك رواق على أساطين منقورة فيه عدة أبيات منها بيت مرتفع العتبة مقدار القامة ، عليه باب حجارة منقورة وفيه الموتى وهم أصحاب الرقيم وعددهم سبعة ، وهم نيام على جنوبهم ، وهي مطلية بالصبر والمر والكافور ، عند أرجلهم كلب دائر في استدارة رأسه عند ذنبه ولم يبق منه إلا القحف وأكثر أعظمه باقية حتى لا يخفى منه شيء . قال مؤلف « نزهة المشتاق » « 5 » : ووهم أهل الأندلس في أصحاب الرقيم حين زعموا أن أصحاب الرقيم هم الشهداء الذين هم في مدينة لوشة ، قال : ورأيت القوم في هذا الكهف عام عشرة وخمسمائة فنزلنا إليهم من فم بئر عمقها نحو من قامة وزائد ، ومشينا في سرب فيه ظلمة خطوات قلائل ثم اتسع الغار فألفينا هناك الموتى وهم رقود على جنوبهم وعددهم سبعة وعند أرجلهم كلب ملتو ، وقد ذهب لحمه وجلده وبقيت عظامه في فقاراته كما هي في الحياة ، ولا يعلم أحد في أي زمن دخلوا هذا الكهف أو أدخلوا إليه ، وأول رجل يلفى منهم له خلق عظيم ورأس كبير ، وأهل الأندلس يقولون إن هؤلاء القوم الذين في هذا الكهف هم أصحاب الكهف ، والصحيح ان أصحاب الكهف من قدّمنا ذكرهم ؛ وفي ذكرنا في الرقيم في حرف الراء بعض خبرهم أيضا فتأمّله .

--> ( 1 ) في الأصل : أقشين أو أمشمين أو أقشبين ، وانظر ابن خرداذبه : 106 ، وعند ياقوت : أفسوس ؛ وفي نزهة المشتاق : أقسمين . ( 2 ) انظر ياقوت : « الرقيم » ، وابن خرداذبه : 106 ، والتنبيه : 134 . ( 3 ) ع : بحارطي ، وسقطت من : ص ؛ المروج : حارمي ؛ التنبيه : خارمي . ( 4 ) ابن خرداذبه : قطر أسفله . ( 5 ) نزهة المشتاق : 256 .